أغرب حالة ثأر حدثت منذ 129 سنة.. طفل يتعقب قاتل والده من الصحراء للجيزة ويتعجب من الشرطة

قنا – محمود الدسوقي

في 3 فبراير من عام 1889م نفذ صبي صغير يدعي خليل حسين العربي جريمته، حيث تعقب قاتل والده من الصحراء وقام بقتله.

حدثت جريمة القتل الغريبة في وقت كان ينص القانون المصري على إعدام القاتل لو اعترف بجريمته، وكان الطفل خليل هو الوحيد في أسرته مما جعل محاميه يستعطف القضاة بأن أسرته معرضة للانقراض لو تم تطبيق القانون عليه.

أعلن علي خليل البدوي كعادة الأعراب في الصحراء حين ينفذون القصاص أنه ظفر بقاتل أبيه فأظهر فرحته العارمة أمام الجميع، معلنًا أنه قتل قاتل أبيه بعد رحلة عناء في مطاردته من الصحراء التي كان يعيش فيها للريف المصري ليفاجأ برجال الشرطة يقومون بالقبض عليه.

استغرب خليل كثيرًا من هيئتهم واستغرب أكثر أنه موضوع في السجن، فهو لم يكن يدري أيضًا أن هناك سجنًا.

المتهم خليل حسين العربي، كما تقول الوثيقة التي تنشرها “بوابة الأهرام”، والتي وردت في القسم القضائي للحقوق منذ أكثر من 129 سنة، كان صغيرًا ويعيش بعيدًا عن القطر المصري حيث لم تدل الوثيقة على جنسيته، وإن كانت أكدت أنه لم يعش في القطر المصري، وكان كل عالمه الصحراء، ولم يعرف سوى قوانين البدو الذين عايروه بأنه لم يقتل قاتل أبيه الذي تركه صغيرًا يتجرع مرارة اليتم وعمره 4 أشهر.المقتول، الذي يدعى النذير الميار، فعل فعلته وقتل والد خليل منذ سنوات عديدة، وهرب من الصحراء موطنه وتوارى في ربوع مصر كي لا يكون مصيره الموت، وهذا ما جعل الفتي الصغير خليل يجول البلاد طولها وعرضها، كي يصادفه حين علم أنه هرب لمصر.

المفاجأة أنه لم يكن يدري – أي خليل- أنه حين أقدم على قتل النذير الميار قاتل أبيه في عزبة اللواتي بأراضي أم خنان بمديرية الجيزة، أنه سيتم التحفظ عليه والزج به في السجن في عام 1889م، بعد أحداث الثورة العرابية بمصر ودخول قوات الاحتلال الإنجليزي بسبع سنوات، نظرت محكمة بنها الابتدائية الأهلية أول قضية ثأر منذ إنشاء المحاكم وتفعيل القانون بعد حالة الفوضى التي ضربت البلاد المصرية.

تم تحرير محضر بقضية الثأر حملت رقم 320 الواردة في الجدول العمومي لسنة 1889م نمرة 245 في النيابة العامة، كما قررت النيابة تحويل قضيته لمحكمة الجنايات طبقًا للمادة 208 من قانون العقوبات بعد اعترافه أمام الجميع أنه قتل النذير الميار العربي عمدًا مع سبق الإصرار، وتم عقد محاكمة عاجلة له في مارس من عام 1889م.

النيابة طلبت لدى المرافعة الشفاهية أمام المحكمة معاقبة المتهم خليل، فيما طالب المحامي، الذي يبدو أنه تطوع للدفاع عنه، قبول عذر موكله لجهله بالقوانين المصرية من جهة، ولصغر سنه من جهة أخرى، قائلاً إن خليل هو الباقي الوحيد من ذرية عائلته، وأن عائلته ستتعرض للانقراض لو تم الحكم عليه بالقانون المصري الذي كان يقضي بقتل القاتل.

اعترف خليل أمام المحكمة أيضًا بأنه قتل النذير الميار لقيامه بقتل والده وهو طفل لما يبلغ الشهر الخامس بعد، وأنه كان سببًا حقيقًا في أن يتجرع مرارة اليتم وأن يقوم العربان وأطفالهم وشبابهم بمعايرته، لذا قصد الانتقام من القاتل وحضر من بلاده إلى القطر المصري وقتل النذير معتقدًا أنه لا أحد هنا في مصر سيقبض عليه مثل عادة أهله العربان حين يقومون بالقصاص فيعلنون الأفراح ويقومون بالإعلان حيث لا توجد هناك محاكم ولا قوانين ولا شرطة.

النيابة العمومية عارضت المتهم خليل ومحاميه، مؤكدة أنه لا يصح قبول الأعذار في تفعيل القانون، لافتة إلى أن كل ما تمسك به المتهم والمحامي لا يدرأ عنه التهمة ولا يسوغ لأي فرد من الأفراد الاحتجاج بالجهل والتمسك بالعادات، وأنه “لو تم ذلك وقبلت المحكمة الأعذار بالجهل والعادات لعمت الفوضي والهمجية في أركان البلاد”.

وأضافت النيابة أيضًا أن “الحكومة وحدها دون سواها لها الحق المطلق في معاقبة كل من ارتكب جناية من الأهالي والعربان وخلافهم في أنحاء القطر وتوابعه عملًا بالمادة الأولى من قانون العقوبات، لذا لا يلتفت إلى الأعذار التي أبداها المتهم ومحاميه؛ إذ لايسوغ لأي فرد من الأهالي أن يأخذ حقه بيده إلا في أحوال استثنائية بنص صريح من القانون والمتهم لم يوجد في حال من الأحوال في الأمور الاستثنائية”.

وأشارت إلى أن نص المادة 208 من قانون العقوبات ونص المادة 32 “يؤكد أن كل من قتل نفسًا عمدًا مع سبق الإصرار والترصد يعاقب بالقتل بحسب الأصول المقررة، كما أكد القانون أنه لا يحكم بالقتل على متهم بجناية إلا إذا أقر بها أو شهد شاهدان أنهما نظراه في حال وقوع ذلك منه، وقد أقر المتهم بذلك وقد وجد شهود في الواقعة”.

محكمة بنها الابتدائية برئاسة محمد بك منيب والمشكلة من القضاة: عشماوي أفندي، محمد أفندي حافظ، ردت على النيابة بأنه ظهر من ظروف هذه القضية وعمر المتهم الصغير وتصوراته العقلية الناشئة عن السذاجة الغريزية والفطرة الطبيعية التي نشأ عليها في الصحاري والأخلاق المتمكنة في نفوس العربان وميلهم الشديد إلى حب الانتقام وذلك بما يوجب على القضاة الشفقة والرأفة بحالة المتهم عملا بالمادة 352 عقوبات، والتي تؤكد الفقرة الثانية منها أنه إذا كان الفعل يستوجب العقوبة بالقتل يحكم بعقوبة الأشغال الشاقة مؤبدًا ويجوز الحكم بالأشغال الشاقة مؤقتًا.

وأضافت المحكمة أنه تراءى لها أن المتهم خليل حسين العربي “فعل ما وقع منه وهو معتقد كل الاعتقاد أنه لم يأت أمرًا محرمًا ولا فعلًا منكرًا، بل إن ما فعله هو الصواب، كما أنه لم يقم بسلب أموال القتيل ولم يقم بهتك عرضه ولم يقم بخلل في النظام، وحيث إن المتهم محبوس حبسًا احتياطيًا بسبب هذه القضية مما يقتضي تنزيل مدة الحبس الاحتياطي من مدة العقوبة الأصلية عملًا بالمادة 20 من قانون العقوبات”.

 

 

 

 

 

وبناء على هذه الأسباب حكمت المحكمة حضوريًا بمعاقبة خليل حسين العربي نظير الجناية التي ارتكبها في هذه القضية بالأشغال الشاقة المؤقتة مدة 7 سنوات شفقة ورأفة بحاله، يخصم له منها مدة حبسه الاحتياطي مع إلزامه بالمصاريف، وان لم يدفعها يحبس عن كل عشرين قرشًا مدة 24 ساعة مع معاملته بالمواد 208 و 32 و30 و352 و49 و51 و37 و39 و40و41 و43 و42 و53 عقوبات ومادة 212 جنايات.

قضية خليل العربي
قضية خليل العربي
قضية خليل العربي
قضية خليل العربي
 المصدر : بوابة الأهرام

تعليقات
Loading...
error: Content is protected !!